الخميس، 7 ديسمبر 2017

هل دعا القرآن إلى الدين الإسلامي ؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ



من أغرب مزاعم مخترعي نظرية القرآن النصراني إدعاءهم بعدم دعوة القرآن للدين الإسلامي وأن هذا الأخير مجرد إختراع عباسي مبني على سوء فهم المعنى الحقيقي لمصطلح الإسلام في القرآن وحجتهم في ذلك معنى الكلمة في النصوص اليهودية التي أخبرنا القرآن نفسه عن كتبتها أنهم كانوا يحرفون معاني الكلمات التوراتية
مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا (46) سورة النساء
فكيف يمكننا إذن الثقة في مصطلحاتهم وجعلها حجة على القرآن ؟! يزعم أصحاب نظرية القرآن النصراني أن معنى كلمة إسلام هو الكمال بناء على مقارنتهم لقصة إبراهيم في القرآن
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) سورة البقرة
مع ما جاء في نصوص العهد القديم 
سفر التكوين إصحاح 17
1  وَلَمَّا كَانَ ابْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لابْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «انَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ امَامِي وَكُنْ كَامِلا
طبعا تبقى المرجعية عند هؤلاء المدلسين المسيحيين هي كتابهم المقدس بزعمهم أن معنى كلمة شليم العبرية في النص الأصلي للعهد القديم هو الكمال لكن عندما نبحث عن معاني نفس كلمة شليم أو سليم في القرآن سنلاحظ أنها تشير إلى السلامة
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) سورة الشعراء
عكس المرض
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا (10) سورة البقرة
والملفت أن القرآن ذكر نفس خبر سفر التكوين عن مجيء إبراهيم إلى ربه بقلب سليم (شليم)
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) سورة الصافات
والذي لا يجب الخلط بينه وبين مصطلح الإسلام
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ (7) سورة الصف
 الذي يشير إلى إعلان السلم
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) سورة الأنفال
عكس الحرب والقتال
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (16) سورة الفتح
تقاتلوهم أو يجنحوا للسلم وليس تقاتلوهم أو يصيروا كاملين ! وهو ما يتجلى بشكل أوضح في قصة النبي سليمان
يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) سورة النمل
فالإسلام لله من المنظور القرآني 
وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا (125) سورة النساء
 ليس أن تصير كاملا لله أو مع الله أصلا الكمال لله وليس للبشر من منظور القرآن
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ (2) سورة الفتح
بل أن تصير مسالما لله
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) سورة البقرة
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) سورة الفرقان
لكن المشكلة هنا ليست في معنى مصطلح الإسلام بل في رغبة البعض في إلغاء الدين الإسلامي بنفيهم لدعوة القرآن إليه رغم تأكيد النصوص القرآنية على العكس
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (19) سورة آل عمران
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ (85) سورة آل عمران
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (3) سورة المائدة
فكيف يزعمون بعدم دعوة القرآن للدين الإسلامي ؟! فلا يهم مفهوم مصطلح الإسلام الذي سواء كان معناه هو السلام أو الإستسلام كما يزعم أصحاب المذاهب أو حتى الكمال فإن ذلك لا ينفي دعوة القرآن الصريحة لإتباع دين إسمه الإسلام
فمن الطبيعي أن يخرج علينا من يتعامل مع النصوص بمثل هذا الإستخفاف بحجج سطحية وواهية كاعتبار عدم ورود تسمية مسلمين قبل العصر العباسي دليلا على إختراع العباسيين للدين الإسلامي وهو قول فيه شيء من الحقيقة في حقيقة الأمر كون العباسيين هم من أطلقوا على أتباع رسالة القرآن إسم المسلمين بل وزعموا في أحاديثهم الكاذبة بداية الدين الإسلامي مع البعثة المحمدية
صحيح مسلم
قَالَ  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ
مكذبين صريح القرآن الذي أخبر بإسلام جميع الأنبياء السابقين وأتباعهم الصالحين
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ (78) سورة الحج
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) سورة يونس
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) سورة آل عمران
الذين ظلوا على إسلامهم حتى لحظة نزول القرآن
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) سورة القصص
وبالتالي فلا يمكن حصر صفة المسلمين في أتباع رسالة النبي محمد لشمولها جميع أتباع الرسالات السماوية الصالحين
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) سورة البقرة
فالذين هادوا والنصارى والصابئين ألخ كانت ألقاب خاصة بأتباع الرسالات السماوية في إشارة لمن هاد مع موسى وهارون
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا (155)  وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ (156) سورة الأعراف 
ومن نصر المسيح
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) سورة آل عمران
لكنهم في نفس الوقت كانوا معتنقين لديانة الإسلام
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا (44) سورة المائدة
قبل أن تأخذ هذه التسميات نسقا عقائديا عند الكفار والمشركين منهم
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) سورة آل عمران
 الذين إنحرفوا عن ديانة الإسلام الأم
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) سورة آل عمران
نفس الشيء بالنسبة لأتباع رسالة النبي محمد الذين لقبوا بالمؤمنين أو الذين آمنوا وليس بالمسلمين 
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) سورة البقرة
والدليل مخاطبة القرآن لهم 89 مرة بعبارة يا أيها الذين آمنوا 
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) سورة الحج
 دون أن يشار إليهم ولو مرة واحدة بعبارة يا أيها الذين أسلموا طبيعي فالإسلام صفة مكتسبة
وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) سورة الزمر
 حسب درجة الإلتزام بتعاليم الله تعالى في كتبه السماوية 
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) سورة المائدة
ولا تشمل جميع المؤمنين
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) سورة الأنعام
وبالتالي لا يمكن وصف كل من آمن برسالة النبي محمد بالمسلم 
فمن الطبيعي أن لا نجد في الوثائق التاريخية أية إشارة للمسلمين لأن لقب أتباع رسالة القرآن قبل العصر العباسي هو المؤمنين أو الذين آمنوا لكن هذا لا يمنع إسلامهم لله وإعتناقهم للدين الإسلامي

هناك تعليق واحد:

  1. سلام عليكم أخي، أود أن أشير إلى شيء ذكرته وهو آية قوله تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" صدق الله العظيم. كلمة الإسلام كما فهمتها هنا هي صفة و ليست نعتا. إن الله تعالى لم يقل: "إن الدين عند الله دين الإسلام" أو "إن الدين عند الله هو دين الإسلام". إذا قلت أن هناك دينا إسمه الإسلام أو اسمه دين الإسلام فإني أعترف بدون وعي مني أن هناك دينا آخر اسمه المسيحية أو اليهودية أو غيره من الأديان المتعددة. إن الدين عند الله واحد و صفته الإسلام وهي تشبه كثيرا قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث الشريف: "الدين المعاملة" أي أن المعاملة هي صفة للدين و ليست إسما له. أتمنى أن يكون كلامي قد فهم جيدا.

    ردحذف